العدالة الدولية أمام اختبار تاريخي حاسم

بقلم: د. هاني العقاد

لم تكترث دولة الاحتلال حتى الان لاي دعوات دولية لأجراء تحقيق شفاف ونزيه منفرد او بمشاركة دولية في قضية اعدام الشهيدة (شيرين أبو عاقلة) التي وثقت الكاميرا لحظة اعدامها من قبل قناص صهيوني، وباتت دولة الاحتلال تتبع سياسة التجاهل التام وتعمل على عدم وصول أي فرق تحقيق دولي او حتى أي طواقم تحقيق من قبل منظمات حقوقية دولية مستقلة، مع ان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة أصدرت دعوات للبدء في تحقيق مستقل وشفاف الا ان دولة الاحتلال تصم اذنيها تماما وتحذر اعلامها من التعرض لهذا الملف من جديد . لم تنتظر السلطة الفلسطينية أي خطوات من هذا القبيل لأنها تعرف مسبقا ان القاتل لا يمكن ان يحقق في جريمته بعدالة وشفافية وبالتالي لا يدين نفسه ، ولا يمكن ان يقبل وجود طرف مستقل في التحقيق لذا رفضت دولة الاحتلال اجراء تحقيق في ملف اغتيال الشهيدة شيرين وسارعت الي اقفال الملف الجنائي داخل مؤسسات جيش الاحتلال , استمر التحقيق من قبل متخصصين بالسلطة الفلسطينية وبالتالي أرسلت وزارة الخارجية الفلسطينية تفاصيل التحقيق والنتائج الي الجنائية الدولية ليوضع على طاولتها وامام المدعية العامة كاهم ملف لجريمة قتل خارج القانون وجريمة اعتداء صارخ على القانون الدولي واعتداء مقصود على حرية الصحافة وطواقمها التي تعمل تحت حماية القانون الدولي والاتفاقيات ذات الشأن في العام 2022.

سلطات الاحتلال منعت هذا الأسبوع وفدا خاصا من الاتحاد الأوروبي من الوصول الي الضفة الغربية المحتلة لان على جدول اعماله بحث قضية اعدام الصحفية (شيرين أبو عاقلة) , وبالتالي اضطر الوفد الى الغاء زيارته بالكامل بعد منع رئيسة الوفد (مانو بينيدا )من دخول القدس ومنع الوفد من التوجه لقطاع غزة ,المقررة الخاصة للأمم المتحدة في الارض الفلسطينية (فرانشيسكا ألبانيزي) عبرت عن صدمتها من العراقيل الإسرائيلية التي تعوق دخول وفد اممي للأرض المحتلة ، وطالبت بفتح تحقيق مستقل في حادثة اعدام (شيرين أبو عاقلة). لعل هذا السلوك الاحتلالي ينم عن خشية احتلالية من ان تقع بين ايدي الوفد ادلة حقيقية تؤكد ارتكابها لجريمة اعدام مقصود للصحفية أبو عاقلة وبالتالي تدينها امام العالم وتصبح مادة قانونية بشهادات اممية تضاف لملف دولي مهم يطالب بمحاسبة ممن يقف خلف إعطاء القرار باغتيال أبو عاقلة ,دولة الاحتلال لا تريد للعالم ان يعرف شيئا عن الحقيقة او يمتلك تفاضل الجريمة او حتى يأتي احد لمكان اعدام أبو عاقلة لان مجرد وصول أي مختص الى مكان وقوع الجريمة يعرف ان جيش الاحتلال قتل أبو عاقلة بعمل مقصود ومخطط , ولا تريد دولة الاحتلال ان يصل احد الى الحقيقة بطريقته وما تريده هي ان تعطي العالم ما تريد من حيثيات مزورة وتحقيقات مفبركة حتى تتنصل من الجريمة كعادتها.

كل محاولات دولة الاحتلال لتجاهل التحقيق والدعوات المتلاحقة في هذا الملف هدفها تمويت القضية وخفض الضغط الدولي وبالتالي تتلاشي الدعوات ويوضع الملف في الادراج , انا اعقد جازما ان هذا الامر بات خلف ظهر دولة الاحتلال برفع القيادة الفلسطينية الملف بحيثياته و دلائله وبراهين دامغة تدين المحتل الى محكمة الجنايات الدولية التي باتت مطالبة على وجه الخصوص بالتحقيق في هذه الجريمة المثبتة بالدليل القاطع لأنها جريمة ارتكبت علي الهواء مباشرة ولا تحتاج الجنائية الدولية الى المزيد من التحقيقات ,فكل روايات الشهود موثقة ومدعمة بتحقيقات إسرائيلية مستقلة (كمنظمة بيتسيلم) وصحيفة (هآرتس )التي خلصت الى ان (شيرين أبو عاقلة )اعدمت برصاص قناص إسرائيلي استخدم بندقية تلسكوبيه على بعد 190 مترا اطلق النار من فتحة الجيب العسكري مباشرة نحو رقبة (شيرين أبو عاقلة) . القاتل تعرفة المؤسسة العسكرية التي كانت تراقب هذا الإعدام عبر شاشات كبيرة في غرفة عمليات متابعة العملية العسكرية بالضفة الغربية من قبل قائد عمليات المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، ولأن قيادة جيش الاحتلال من اعطى القرار بتصفية (شيرين أبو عاقلة) فأنها اليوم توفر له الحماية القانونية المطلوبة وتتستر على اسمه حتى لا يلاحق من قبل المنظمات الدولية وهذه استراتيجية معروفة داخل مؤسسة الجيش. لم يسبق وان عاقبت هذه دولة الاحتلال أي جندي احتلالي قتل فلسطينيا عمدا او حتى بالخطأ وكل المحاكمات التي كانت تجري لبعض حالات القتل التي لا تستطيع دولة الكيان تغطيتها امام منظمات حقوق الانسان الإسرائيلية هي محاكمات صورية ليس أكثر وفي النهاية لا يدان أحد ويطلق سراح القاتل او يوقف عن الخدمة لأشهر.

 

اليوم العدالة الدولية امام اختبار تاريخي حاسم ، فأما ان تنتصر للضحية وتدافع عن دمها وتقاضي القاتل وتقدمة لمحاكمة عادلة حتى توقف هذا السلوك الاجرامي وتردع قادة الاحتلال ليتوقفوا عن اطلاق ايدي جنودهم ليقتلوا ويعدموا من يحلوا لهم من الفلسطينيين العزل ,واما ان تعلن للعالم انها لا تستطيع مقاضاة مجرمين من دولة الاحتلال لانهم فوق القانون الدولي وتعترف بشجاعة ان المحكمة الجنائية الدولية تقع تحت هيمنة إسرائيلية امريكية مركزة , وامام هذا فأننا ننتظر من الجناية الدولية ان تحصر ما وصلها من تحقيقات رسمية من الخارجية الفلسطينية والمنظمات الدولية والإسرائيلية ذات العلاقة وتبدا في توجيه لوائح اتهام مباشرة لكل من رئيس وزراء دولة الاحتلال ( نفتالي بينت ) باعتباره الشخص المسؤول الان عن توجيه عمل وحدة (دوفدفان) التي اغتالت أبو عاقلة ومازالت تنفذ عمليات اغتيال مبرمجة للنشطاء الفلسطينيين وبالإضافة الى كل من وزير الجيش ( بيني غانتس ) ورئيس الأركان (افيف كوخافي),وقائد المنطقة الوسطي في جيش الاحتلال (يهودا فكس) . لعل توجيه لوائح اتهام لقادة جيش الاحتلال اليوم هو اقل اجراء لحماية العدالة الدولية من قبل الجنائية الدولية ورد قانوني محسوب وتاريخي على جريمة القتل المقصود لأبوعاقلة ودفاع دولي مسؤول عن أي انتهاك للقانون الدولي بالقتل خارج القانون والاعتداء على الطواقم الصحفية بتخطيط مدروس ومبرمج. ان اي تباطؤ من قبل المدعية العامة للجنائية الدولية في فتح هذا التحقيق واجمال لوائح الاتهام لقادة الاحتلال من شانه ان يعرض سمعة هذه المحكمة المستقلة للضرر و يساهم في تفلت المجرم من العقاب .ان العدالة الدولية اليوم امام اختبار تاريخي حاسم تدافع فيه عن وجودها وذاتها القانونية باعتبار قضية اعدام (شيرين أبو عاقلة ) قضية راي عام دولي وجريمة انتهاك صارخ للقانون الدولي يتطلب من قضاة المحكمة فتح تحقيق عاجل حماية لهذه العدالة والإسراع في توجيه لوائح الاتهام بالقتل المباشر لقادة الاحتلال , وحتى لا نقع ضحية سياسة تسويف تنتج عن ضغط ما على محققي الجنائية الدولية وقضاتها لابد من الاستمرار في متابعة هذا الملف من قبل وزارة الخارجية الفلسطينية والطواقم القانونية الفلسطينية الرسمية والمستقلة من خلال منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والدولي بالإضافة لتكثيف جهود العمل القانوني المشترك مع كل وزارت الخارجية للدول الصديقة التي تحارب من اجل ان يسود العدل العالم ويقدم القاتل للقضاء الدولي ليعاقب على جريمته.

Comments are closed.