تجربة ديمقراطية عربية واعدة

 بقلم: د. علي محمد فخرو

من حق الشعب العربي في الكويت أن يفاخر بأن نظامه الديمقراطي المتعاظم عبر العقود الزمنية هو من أفضل الأنظمة الديمقراطية العربية، وأن ممارسته لذلك النظام، وبالرغم من بعض النواقص والأخطاء والانتكاسات المؤقتة، هي من أفضل الممارسات العربية.
  لقد أثبتت نتائج الانتخابات الأخيرة، وما رافقها من تصحيحات لأخطاء ماضية ومن دلائل نضج في توجهات الناخبين السياسية والاجتماعية، أن التهمة الظالمة التي أطلقها بعض الموتورين في بعض دوائر الغرب، من أن العرب ليسوا مؤهلين لممارسة الديمقراطية وقبول المبادئ الفكرية التي تنطلق منها، هي تهمة استشراقية عنصرية تلفيقية.
بل أثبتت أكثر من ذلك، إذ في الوقت الذي تتراجع فيه الديمقراطية في بعض بلدان الغرب، وفي الوقت الذي يتوجه الكثير من الناخبين في الغرب نحو اختيار القوى اليمينية الشعبوية الكارهة للأغراب والمنادية بالرجوع إلى الانغلاق العرقي، أو الديني، أو الثقافي، اتجه الناخبون في الكويت نحو مزيد من الأفكار الليبرالية الذاتية العربية، ونحو مزيد من الابتعاد عن الغوغائية والأفكار المتزمتة.
ومع ذلك فيجب أن ننتظر ما تسفر عنه تلك التغيرات في المشهد الانتخابي الكويتي من ممارسات في البرلمان الكويتي القادم: مدى عمق وموضوعية المناقشات، مدى انحياز التشريعات للفقراء والمهمشين والمرأة ولمزيد من الانفتاح الديمقراطي، ومدى التمسك بالالتزامات القومية العروبية الوحدوية، وعلى الأخص بالنسبة إلى الموضوع الفلسطيني، ومدى المساهمة في إعادة بناء مجلس التعاون الخليجي تحقيقاً لمصالح كل شعوبه، وعلاقاتهم الاجتماعية التاريخية، ومدى استعمال الثروة النفطية الكويتية في إطلاق مشاريع تنموية إنتاجية تكنولوجية معرفية تساهم في النهوض الاقتصادي والحضاري العربي المطلوب.
قد تبدو القائمة طويلة وصعبة ومعقدة، لكن المهم هو مقدار الجهد والجدية والتناغم فيما بين الكتل النيابية والأعضاء المناضلين الملتزمين بقضايا كبرى. كما أن التحقق سيحتاج إلى توفر أجواء مساعدة.
من هذه الأجواء، مقدار حميمية العلاقة بين البرلمان والحكومة، ومقدار التزامها بمتطلبات الديمقراطية من مرونة وأخذ وعطاء وحلول توافقية معقولة وحساسية تجاه فضيلة العدالة.
ومن هذه الأجواء، كأولوية قصوى، مقدار متابعة الناخبين لأقوال ومواقف ونقاشات الذين انتخبوهم ومحاسبتهم على أي تقصير، أو أي تراجع عن وعودهم الانتخابية السابقة وتذكيرهم بقدرة الناخبين على المعاقبة أثناء الانتخابات المستقبلية القادمة. لن تنجح تلك الديمقراطية إلا إذا ظل الناخب معنياً بالحياة السياسية العامة، وبالمناقشات البرلمانية، وبالتواصل مع من انتخب بصورة دورية تحاورية.
لقد تعثرت الكثير من محاولات الانتقال إلى الديمقراطية العربية، لأسباب داخلية وخارجية، وبدأ البعض يتعب من الالتزام بالنضال من أجلها، ولذلك، فمن الأهمية القصوى نجاح التجربة الديمقراطية الكويتية التي تغلبت على معوقات الداخل ومؤامرات الخارج، كتأكيد على أن الانتقال إلى نظام ديمقراطي سياسي واقتصادي واجتماعي عادل، حتى ولو كان تدرجيّاً ًوعسيراً، عبر الوطن العربي كله، قد أصبح مطلباً ممكن تحققه، بشرط ألا تملّ الشعوب من التمسك به والنضال من أجل تحققه في الواقع الحياتي العربي.

Comments are closed.